العبودية الطوعية.. حين يصبح صانع الأغلال بطلًا

Loading

بقلم: محمد ناصر عجلان

كيف يمكن للإنسان أن يقاتل ويضحي بحياته، لا دفاعًا عن حريته وكرامته، بل إسهامًا في ترسيخ قيوده؟ وكيف يمكن أن يورّث أبناءه الخضوع، وكأنه إرث مقدّس لا يجوز المساس به؟

هذا هو السؤال الذي أثاره المفكر الفرنسي إتيان دو لا بويسي في كتابه الشهير العبودية الطوعية. وهو سؤال يكشف مفارقة إنسانية مؤلمة: فعندما يُزيَّف الوعي، قد يتحول الاستغلال إلى تضحية، والخضوع إلى بطولة، والتبعية إلى فضيلة.

لا تبدأ العبودية دائمًا بالقوة أو الإكراه؛ فقد تبدأ حين يتنازل الإنسان، طوعًا، عن حقه في التفكير والسؤال، ويسلّم عقله لشعارات براقة تخفي وراءها مصالح لا تخدمه. عندها يصبح مستعدًا للتضحية بحياته، من دون أن يدرك لمن يقدمها، أو لأي غاية يقاتل.

والأخطر من ذلك أن تتحول العبودية إلى إرث ينتقل من جيل إلى آخر. فعندما ينشأ الأبناء على تقديس الخضوع، وعلى اعتبار المطالبة بالكرامة خروجًا على الجماعة أو تمردًا على الثوابت، يصبحون أسرى واقع لم يختاروه، ويدفعون ثمن معارك لم يقرروا خوضها.

إن الحرية تبدأ من وعي الإنسان بذاته وبحقوقه، ومن قدرته على التمييز بين التضحية من أجل الوطن والكرامة، والتضحية من أجل مصالح الآخرين. فليس كل قتال بطولة، ولا كل تضحية شرفًا؛ إذ لا تكتسب التضحية معناها النبيل إلا إذا كانت غايتها عادلة، ونتيجتها تحفظ للإنسان كرامته وتصون حقوقه.

لذلك، اسأل نفسك قبل أن تقاتل أو تضحي:

لمن أقدم حياتي؟
وهل أساهم في بناء مستقبل حر لأبنائي، أم أترك لهم أغلالًا جديدة؟

فالحياة أثمن من أن تُهدر في معارك الآخرين، وكرامة الإنسان أكبر من أن تُختزل في الشعارات. وأول طريق التحرر أن يفكر الإنسان بعقله، ويدرك قيمة نفسه، ويرفض أن يكون وقودًا لمشروعات لا تخدم وطنه، ولا تصون كرامته، ولا تضمن مستقبلًا أفضل لأبنائه.