![]()
الفجر اليمني : عادل الشجاع
معالي وزير الإعلام الجديد..
قرأت بعناية مضامين رسالتكم عقب أدائكم اليمين الدستورية، وما تضمنته من تأكيد على تحديث المؤسسات الإعلامية الرسمية، والاهتمام بأوضاع الصحفيين والإعلاميين، وتعزيز الحريات والتعددية الإعلامية، وتوحيد الجهود لمواجهة خطاب مليشيا الحوثي ومشروعها الانقلابي والطائفي..
وهي مضامين مهمة تمثل مدخلا إيجابيا للعمل، لكنها، في تقديري، تحتاج إلى ما هو أبعد من تطوير المؤسسات وتحسين الأداء وتحديث الأدوات، تحتاج إلى رؤية استراتيجية شاملة تعيد تعريف وظيفة الإعلام الوطني في ظل الحرب التي تعيشها البلاد، وتضعه في موقعه الطبيعي باعتباره أحد أهم مكونات معركة استعادة الدولة، لا مجرد جهاز حكومي يتولى إصدار البيانات وتغطية الأنشطة الرسمية ونقل التصريحات..
إن أخطر ما عانته مؤسساتنا الإعلامية خلال سنوات الحرب لم يكن فقط ضعف الإمكانات أو تراجع الأداء المهني، بل غياب الرؤية الإعلامية الوطنية الجامعة التي تدرك طبيعة المعركة وأبعادها، وتتعامل مع الإعلام بوصفه قوة مؤثرة في تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، وحماية الجبهة الداخلية، ومواجهة الدعاية المعادية، والتأثير في المواقف الإقليمية والدولية..
لقد خاضت بلادنا حربا عسكرية وسياسية واقتصادية وإنسانية، لكنها خاضت، وما تزال، حربا إعلامية ونفسية وفكرية لا تقل خطورة عن المعارك التي تدور في الميدان. وفي الوقت الذي طورت فيه المليشيات الحوثية منظومتها الدعائية، واستثمرت في المنصات الإعلامية وشبكات التواصل، وصاغت خطابا تعبويا منظما يخدم مشروعها، ظل إعلام الشرعية، في كثير من مراحله، أسير ردود الأفعال، والتباينات السياسية، والتغطيات الموسمية، والخطاب المناسباتي، دون امتلاك استراتيجية مستدامة لإدارة معركة الوعي..
وهنا تكمن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم:
ينبغي بناء إعلام وطني يتجاوز الانقسامات السياسية. ونقل المعركة إلى الفضاء الإقليمي والدولي. وجعل المواطن في قلب المعركة الإعلامية، فلا ينبغي أن يكون الإعلام الوطني منشغلا فقط بما يجري في الجبهات أو بما يصدر عن المؤسسات الرسمية، بينما يواجه المواطن أزمات معيشية وخدمية واقتصادية عميقة..
فالمواطن الذي يعاني انقطاع الرواتب، وتدهور الخدمات، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص الحياة الكريمة، لا يمكن أن يستعيد ثقته بالإعلام من خلال خطاب يتجاهل معاناته أو يكتفي بترديد البيانات الرسمية..
إن الإعلام الذي لا ينقل هموم الناس، ولا يفتح ملفات الفساد والاختلالات، ولا يراقب أداء المؤسسات، يفقد جزءا أساسيا من رسالته الوطنية..
ومن هنا، فإن تطوير المؤسسات الرسمية يجب ألا يقتصر على تغيير القيادات أو تحديث الأجهزة والمباني، بل ينبغي أن يشمل مراجعة شاملة للهياكل الإدارية والتحريرية، وتحديث سياسات العمل، وتأهيل الصحفيين والفنيين، وتحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية، وتوفير الحماية القانونية لهم..
كما أن المؤسسات الإعلامية الرسمية بحاجة إلى قدر أكبر من الاستقلالية المهنية، بحيث لا تتحول إلى منصات للمجاملة أو التنافس على إرضاء المسؤولين، وإنما مؤسسات وطنية تعمل وفق معايير واضحة للمصداقية والموضوعية..
لا نريد وزارة إعلام تدير المؤسسات فقط، بل وزارة تقود الرؤية. إن استعادة الدولة تحتاج إلى جيش يقاتل من أجلها، وإعلام يحمي الوعي بها، ومواطن يؤمن بعدالة قضيتها. وهذه معركة واحدة، وإن تعددت جبهاتها..

