![]()
الفجر اليمني: خاص : محمد عجلان
يواجه قطاع الطيران العالمي واحدة من أعقد أزمات الإمداد والبنية التحتية في تاريخه الحديث، إثر التوترات الجيوسياسية والعسكرية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، والتي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية وناقلات النفط، مما تسبب في شلل تدريجي لخطوط إمدادات وقود الطائرات (Jet Fuel) نحو الأسواق الدولية.

وجاء هذا التوقف المفاجئ للإمدادات القادمة من أكبر حوض لإنتاج وتكرير وقود الطيران في الخليج العربي ليدفع بالأسعار إلى مستويات قياسية، متجاوزة ضعف قيمتها السابقة، وسط مخاوف حقيقية من دخول قطاع النقل الجوي في مرحلة انكماش قسري نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، واضطرار الناقلات لاتخاذ طرق بديلة مكلفة ومطولة كطريق رأس الرجاء الصالح.

القارة العجوز.. المتضرر الأكبر من غياب وقود الخليج
وتصدرت قارة أوروبا قائمة الأسواق الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، نظراً لاعتمادها التاريخي على استيراد ما يقارب 30% من احتياجاتها من وقود الطائرات من مصافي منطقة الخليج العربي (لا سيما الكويت والسعودية والإمارات). وبحسب تقارير لوجستية، فقد تراجعت المخزونات الاستراتيجية في مركز التوزيع الرئيسي بأوروبا (منطقة ARA – أمستردام وروتردام وأنتويرب) إلى مستويات حرجة هبطت دون الحد الآمن المحدد بـ 23 يوماً.
وانعكست هذه الأزمة سريعاً على حركة الملاحة الجوية الأوروبية، حيث دخلت عدة دول في مرحلة “التقنين الفعلي” للوقود. وفرضت سلطات الطيران في مطارات شمال إيطاليا (مثل ميلانو، البندقية، وبولونيا) قيوداً صارمة وحدوداً قصوى على كميات الوقود المسموح بشحنها للطائرات المغادرة. ودفعت هذه الضغوط شركات طيران كبرى مثل (KLM) و(Lufthansa) إلى إلغاء وتعديل جداول بعض رحلاتها، وفرض رسوم إضافية طارئة على تذاكر السفر لمواجهة الكلفة التشغيلية غير المسبوقة.

آسيا تحت ضغط الإمدادات.. وأمريكا تراقب من موقع آمن
في المقابل، لم تكن منطقة آسيا والمحيط الهادئ بمعزل عن الارتدادات، إذ بدأت شركات الطيران في جنوب شرق آسيا وأستراليا بامتصاص الصدمة عبر تقليص الرحلات غير الاقتصادية، كونها تقع في خط الدفاع الأول أمام توقف النفط الخام الموجه للمصافي الآسيوية الكبرى عبر المضيق المغلق.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فتُعد حتى اللحظة الأقل تأثراً بالتبعات الفيزيائية للأزمة بفضل طاقة التكرير المحلية الهائلة في ساحل الخليج الأمريكي (USGC). ورغم قيام واشنطن بضخ شحنات إضافية طارئة لدعم الحلفاء في أوروبا، إلا أن أسواقها المحلية لم تسلم من “موجة التضخم السعري” التي ضربت أسواق الطاقة العالمية بشكل عام.

قطاع الطيران في مواجهة المجهول
ويرى خبراء واقتصاديون أن استمرار إغلاق الممرات المائية الحيوية في الشرق الأوسط سيعيد صياغة خارطة النقل الجوي العالمي لعام 2026؛ حيث لن تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار التذاكر فحسب، بل قد تمتد لتجبر شركات الطيران على تغيير استراتيجياتها التشغيلية والاعتماد على خطوط طيران أطول للتزود بالوقود من محطات وسيطة آمنة، في انتظار انفراجة سياسية أو عسكرية تعيد الدفء إلى شرايين الطاقة العالمية.

