![]()
الفجر اليمني : تحليل صحفي : محمد ناصر
على مدار سنوات الحرب المتطاولة في اليمن، ظل المقاتل اليمني في مختلف الوحدات العسكرية يمثل حجر الزاوية في معركة استعادة الدولة، مؤدياً واجبه الوطني في أقسى الظروف الطبيعية والعملياتية. ومع ذلك، يكشف المشهد الراهن داخل المؤسسة العسكرية عن “أزمة عدالة” حادة وتفاوت مثير للقلق في الحقوق المالية والمزايا المعيشية، مما يضع التماسك المعنوي للمؤسسة على المحك.
ازدواجية المعايير.. فجوة الآمال والواقع
تشير القراءة الفاحصة للوضع الميداني إلى وجود تباين صارخ في آلية وانتظام صرف المرتبات بين التشكيلات العسكرية المختلفة. فبينما تتمتع وحدات بامتيازات مالية وتدفق نقدي منتظم، تواجه وحدات أخرى—لا تقل أهمية ولا تضحية—سياسة “التجويع القسري” عبر تأخير المرتبات لأشهر طويلة، وفي بعض الأحيان لسنوات. هذا الاختلال ليس مجرد أزمة سيولة، بل هو انعكاس لغياب التخطيط الموحد وتعدد مصادر القرار المالي داخل الهيكل العسكري.
التسويات المؤجلة.. حقوق ضائعة في أروقة البيروقراطية
لا يتوقف الأمر عند انتظام الراتب الأساسي، بل يمتد ليشمل ملف “التسويات والعلاوات” القانونية المتراكمة. يجد الآلاف من منتسبي القوات المسلحة أنفسهم في حالة من “الانتظار الأبدي” لنيل استحقاقاتهم التي كفلها القانون، في مقابل صعود تشكيلات مستحدثة تحظى بمرتبات تفوق أضعاف ما يتقاضاه الجندي النظامي. هذا التمايز الطبقي داخل الصف الواحد ولّد حالة من الإحباط النفسي، وشعوراً متنامياً بأن “الحق العسكري” بات خاضعاً لاعتبارات الولاء أو القرب من دوائر النفوذ، لا لمعايير الأقدمية والكفاءة.
صمت القيادة.. علامة استفهام أمام الجندي
لسنوات، اتجهت أصابع الاتهام نحو هرم السلطة العليا، لكن دائرة التساؤلات اتسعت مؤخراً لتشمل القيادات المباشرة والميدانية. إن الصمت المطبق لهذه القيادات تجاه معاناة أفرادها يطرح تساؤلات مشروعة:
لماذا يغيب الصوت المدافع عن كرامة الجندي المعيشية في المحافل الرسمية؟
وهل تحول الصمت القيادي إلى “شريك غير مباشر” في مفاقمة معاناة المقاتلين؟
”إن العدالة داخل المؤسسة العسكرية ليست ترفاً أو مطلباً ثانوياً، بل هي ركيزة الأمن القومي؛ فالعقيدة القتالية لا تتجزأ عن شعور المقاتل بأن ظهره محميٌّ اقتصادياً وقانونياً.”
مخاطر التوسع العشوائي والارتداد المعنوي
يحذر مراقبون من سياسة التوسع في إنشاء كيانات عسكرية جديدة دون مرتكزات مالية مستدامة. إن إثقال كاهل الميزانية العسكرية المنهكة أصلاً بتشكيلات موازية، دون حل جذري لحقوق الوحدات القائمة، يؤدي إلى “تآكل الثقة” المؤسسية. هذا النهج لا يضعف الروح المعنوية فحسب، بل يهدد بتحويل المؤسسة العسكرية من جسد متماسك إلى جزر معزولة تتصارع على الموارد المحدودة.
خارطة طريق نحو الاستقرار
إن معالجة ملف الرواتب تتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الوعود اللفظية إلى خطوات إجرائية، أهمها:
توحيد الوعاء المالي لجميع الوحدات العسكرية تحت إشراف وزارة الدفاع.
تفعيل قانون التسويات ومنح العلاوات المتأخرة كأولوية قصوى.
الشفافية المطلقة في توزيع الموارد المالية لضمان مبدأ تكافؤ الفرص والحقوق.
ختاماً، إن صرخة الجندي المطالب بحقه هي إنذار مبكر لصناع القرار. فالتاريخ العسكري يؤكد أن “وهن الجبهة الداخلية” يبدأ دائماً من شعور الفرد بالظلم. إن استعادة التوازن داخل المؤسسة العسكرية تبدأ من إنصاف الجندي المرابط، فبدون عدالة في الحقوق، تصبح القوة مجرد هيكل يسهل اختراقه.
رأيي في النص: الصياغة الجديدة ركزت على تحويل “الشكوى” إلى “تحليل استراتيجي” يربط بين الراتب وبين الأمن القومي وتماسك الجيش، وهو ما يعطي لمقالك ثقلاً أكبر لدى القارئ والمسؤول.

