![]()
الفجر اليمني : تحليل : محمد ناصر عجلان

جاء خطاب فخامة الرئيس بمناسبة العيد الوطني الـ36 للجمهورية اليمنية مختلفًا في نبرته ومضمونه عن كثير من خطابات المناسبات الوطنية السابقة، إذ بدا أقرب إلى خطاب “مراجعة سياسية شاملة” منه إلى خطاب احتفالي تقليدي، واضعًا اليمنيين أمام جملة من الحقائق السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، مع محاولة رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها “إعادة بناء الدولة بالشراكة والتوازن”.
الخطاب حمل عدة رسائل داخلية وخارجية، وركز بصورة واضحة على ثلاث قضايا محورية: القضية الجنوبية، تماسك الشرعية، والإصلاح الاقتصادي، إلى جانب تثبيت موقع التحالف العربي، وتحديدًا المملكة العربية السعودية، كشريك استراتيجي في مستقبل اليمن.
منذ اللحظة الأولى، تعمد الرئيس العليمي الابتعاد عن لغة الاحتفال والانتصار، مؤكدًا أن البلاد تمر بـ”لحظة فارقة” تتطلب المصارحة لا المكابرة. وهذه النبرة تعكس إدراكًا رسميًا لحجم الأزمة المركبة التي تعيشها الدولة اليمنية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.
أبرز ما يمكن ملاحظته في الخطاب هو الاعتراف الصريح بأن مشروع الوحدة اليمنية تعرض لـ”انحرافات خطيرة” أدت إلى مظالم وإقصاء وتهميش، وهي من أكثر النقاط حساسية في الخطاب السياسي الرسمي اليمني منذ سنوات. هذا الاعتراف يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يبعث برسائل طمأنة للقوى الجنوبية بأن معالجة القضية الجنوبية لم تعد مجرد ملف سياسي مؤجل، بل أصبحت – بحسب الخطاب – “جوهر أي تسوية عادلة”.
كما أن حديث الرئيس عن “تمكين جميع اليمنيين من التعبير الحر عن تطلعاتهم وتقرير مستقبلهم السياسي والاقتصادي والثقافي” يمثل تحولًا لافتًا في اللغة السياسية، ومحاولة لإعادة بناء الثقة مع الشارع الجنوبي بعد سنوات من التوتر والصدامات والانقسامات.
وفي المقابل، حرص الخطاب على رسم خطوط حمراء واضحة، من خلال رفض استخدام القضية الجنوبية كمبرر للتمرد المسلح أو تقويض مؤسسات الدولة. وهنا حاول الرئيس العليمي تقديم معادلة دقيقة تقوم على “الاعتراف بالمظالم” مع “الحفاظ على إطار الدولة”.
الخطاب أيضًا عكس بوضوح حجم القلق داخل مؤسسة الشرعية من أي تصدعات داخلية قد تؤدي إلى إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين. ولذلك ركز الرئيس على ضرورة توحيد القرار العسكري والأمني، ومنع الانجرار نحو صراعات جانبية.
وفي هذا السياق، جاء حديثه عن “احتواء منعطف أمني وسياسي خطير” شهدته المحافظات الجنوبية والشرقية، كإشارة مباشرة إلى التوترات الأخيرة التي كادت – بحسب وصفه – تهدد مركز الدولة القانوني.
لكن اللافت هنا أن الرئيس اختار لغة التهدئة بدل التصعيد، حيث دعا إلى إسقاط أوامر التوقيف والملاحقات بحق بعض الشخصيات السياسية والمدنية غير المتورطة في أعمال إرهابية أو عنف أو فساد، وهي خطوة يمكن قراءتها كجزء من محاولة فتح صفحة تهدئة سياسية داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
اقتصاديًا، حمل الخطاب اعترافًا ضمنيًا بصعوبة المرحلة المقبلة، خصوصًا مع حديث الرئيس عن “إجراءات صعبة ولكنها ضرورية”، بالتزامن مع إعلان الحكومة بدء تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية.
هذه الرسائل تأتي في توقيت حساس تعيش فيه المناطق المحررة أزمة اقتصادية خانقة، وانهيارًا متسارعًا للعملة، وتراجعًا في الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل أي إصلاحات اقتصادية مرشحة لإثارة غضب شعبي إذا لم تترافق مع تحسن ملموس في حياة المواطنين.
ومع ذلك، حاول الخطاب تقديم هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من مشروع “إعادة البناء والاعتماد على النفس”، مع التأكيد على مراعاة ذوي الدخل المحدود، وهي محاولة لتخفيف المخاوف الشعبية من انعكاسات الجرعات السعرية والإصلاحات القادمة.
خارجيًا، منح الخطاب المملكة العربية السعودية مساحة واسعة من الإشادة والتقدير، ليس فقط باعتبارها داعمًا سياسيًا وعسكريًا، بل كشريك استراتيجي في مستقبل اليمن.
وتأكيد الرئيس على نقل العلاقة مع الرياض من “التحالف” إلى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، يعكس توجهًا سياسيًا جديدًا يسعى إلى دمج اليمن تدريجيًا في المنظومة الخليجية، وربط استقرار اليمن بالأمن الإقليمي.
كما حمل الخطاب رسائل واضحة تجاه المجتمع الدولي، مفادها أن الشرعية ما تزال قادرة على الحفاظ على التماسك، وأن هناك فرصة حقيقية لبناء دولة مستقرة إذا ما استمر الدعم الإقليمي والدولي.
وفي الملف الإنساني، حاول الرئيس تقديم صورة أكثر مرونة للدولة، من خلال الحديث عن اتفاق الإفراج عن المحتجزين والمختطفين، وتأكيده أن الدولة “ليست دولة انتقام بل دولة عدالة وإنصاف”، وهي رسالة موجهة داخليًا وخارجيًا في آن واحد.
في المجمل، يمكن القول إن خطاب العليمي في ذكرى الوحدة لم يكن خطاب احتفال بقدر ما كان خطاب “إعادة تعريف للمرحلة”. فقد سعى إلى تقديم رؤية تقوم على المصارحة السياسية، والاعتراف بالأخطاء، واحتواء التناقضات داخل معسكر الشرعية، بالتوازي مع الاستعداد لمرحلة إصلاحات صعبة اقتصاديًا وأمنيًا.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في صياغة الخطاب، بل في قدرة السلطة على تحويل هذه الرسائل إلى خطوات عملية على الأرض، خصوصًا في ظل الأزمات المعيشية الحادة، والانقسامات السياسية، والتحديات الأمنية المستمرة.
فاليمنيون اليوم لا ينتظرون فقط خطابًا مطمئنًا، بل ينتظرون دولة قادرة على استعادة الخدمات، ودفع الرواتب، وتحقيق الاستقرار، وإنهاء سنوات الحرب والانهيار الطويلة.

