![]()
بقلم / محمد ناصر عجلان
في اليمن، لم يعد الفقر مجرد حالة فردية، ولا المعاناة قصة عابرة يمكن أن تنتهي بمنشور أو صورة أمام الكاميرات؛ بل أصبح واقعًا يعيشه ملايين المواطنين الذين أنهكتهم الحرب، وأثقلت كاهلهم الأسعار والرسوم وتأخر المرتبات وتراجع الخدمات.
وفي خضم هذه المعاناة، يبرز سؤال مؤلم: هل أصبح الفقير سلعة إعلامية، تُستثمر حاجته للترويج لمن يملك المال والنفوذ؟
لا أحد يرفض فعل الخير، ولا يمكن التقليل من قيمة مساعدة محتاج أو إغاثة أسرة فقيرة. لكن الفرق كبير بين صدقة تُقدَّم حفظًا لكرامة الإنسان، وصدقة تتحول إلى حملة إعلامية تُظهر صاحبها أكثر مما تُظهر حاجة الفقير.
اليمنيون لا يريدون من أحد أن يمنّ عليهم بما يقدمونه، ولا يريدون أن تتحول حاجتهم إلى مادة للتصوير والترويج. المواطن يريد راتبًا منتظمًا، وتعليمًا جيدًا، وعلاجًا متاحًا، وكهرباء مستقرة، ومياهًا وخدمات أساسية، ودولة تحمي حقوقه وتصون كرامته.
لقد أرهقت المواطن رسوم وضرائب وجمارك ومعاملات مختلفة، بينما لا تزال أسر كثيرة عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية. ومع استمرار الحرب والانقسام، أصبح المواطن العادي هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر.
والأخطر من ذلك أن تتحول السياسة إلى صراع مستمر على السلطة والمناصب، بينما يبقى المواطن خارج حسابات المتصارعين.
الحرب التي لا تحمي المواطن من الفقر ليست انتصارًا، والسلطة التي لا توفر له أبسط حقوقه لا ينبغي أن تعتبر نجاحًا.
نحن بحاجة إلى قيادة تنظر إلى المواطن باعتباره إنسانًا له حقوق، وليس مجرد رقم في كشوفات الضرائب والجمارك والرسوم.
نحتاج إلى مسؤول يسأل: لماذا تأخر راتب الموظف؟ ولماذا أصبح العلاج فوق قدرة الأسرة؟ ولماذا يدفع المواطن رسومًا متعددة مقابل خدمات يفترض أن تكون جزءًا من واجبات الدولة؟ ولماذا يعيش بعض اليمنيين في رفاهية بينما يعجز آخرون عن توفير وجبة لأطفالهم؟
إن المسؤول الحقيقي هو من يشعر بمعاناة الناس قبل أن يبحث عن صورته في وسائل الإعلام.
والقائد الذي يحمي شعبه، ويوفر لهم الأمن والتعليم والصحة والخدمات والمرتبات، ويعمل على بناء دولة مؤسسات وعدالة ومساواة، هو الذي يترك أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.
أما الفقير، فلا يحتاج إلى من يصنع من صدقته بطولة إعلامية؛ إنه يحتاج إلى دولة تمنحه حقه، وتحفظ كرامته، وتفتح أمامه باب العمل والحياة الكريمة.
لقد تعب اليمنيون من الأزمات، وتعبوا من الوعود، وتعبوا من صراع الكراسي.
آن الأوان أن يكون الصراع الحقيقي من أجل الإنسان اليمني؛ من أجل راتبه، وكرامته، وأمنه، وتعليمه، وصحته، ومستقبل أبنائه.
فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من المتاجرة بمعاناة الفقراء، بل يحتاج إلى دولة تجعل الفقر استثناءً لا قدرًا، والكرامة حقًا لا منّة.

